السيد محمد الصدر
21
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أُوذيت ) « 1 » . إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّه كأحدنا جعل الدنيا أقصى همّه ومبلغ علمه ، بحيث يتأذّى من هذا البلاء ويحصل له ضيقٌ ؛ فهو أجلّ من ذلك ، بل النبي ( ص ) حسب وجداني لا يضيق ببلاء الدنيا . وعليه فهذه الأُطروحة لا تناسبه ، وإنَّما تناسب غيره ، وهو ليس مصداقاً لها ؛ لأنَّ هذا شأن المؤمن الذي يضيق ببلاء الدنيا ، فيقول : ( أنا مريضٌ ) ، ( أنا فقيرٌ ) ، وهذا لا يخطر في ذهن النبي طرفة عين . ومنها : أن يُقال : إنَّ الدنيا كما تشتمل على البلاء تشتمل على النعمة ، ونعمة الدنيا إمّا مادّيّة ، كالمال ونحوه ، وإمّا معنويّة ، كما أُشير إليه في بعض الروايات من : أنَّ المؤمن لو سُئل : هل صلّى صلاة الليل ؟ فلا ينبغي له أن يقول : ( لا ) ؛ لأنَّه كذبٌ ، بل عليه أن يقول : ( رزقني الله ذلك ) « 2 » . والوجه فيه : أنَّ الطاعات رزقٌ من الله تعالى ونعمةٌ من نعمه ، ونحوها الحالات الباطنيّة من قبيل : صفاء النفس وطيب القلب وعلم العقل ؛ فكلّها من نعمه تعالى . ثُمَّ إنَّ الإنسان عاطفي بطبعه ، فهو يفرح بالنعم الواصلة إليه ، فأهل الدنيا يفرحون بالنعم الدنيويّة ، كالمال والبنون والقصور والسيّارات والشهرة وغيرها ، وأهل الآخرة يفرحون بالنعم المعنويّة . وحينئذٍ يكون قوله تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ مصداقاً لأهل الدنيا بمعنىً من المعاني ، ولأهل الآخرة أيضاً بمعنىً آخر . ونظير ذلك الرجل الذي أمسى فقيراً ، ولكنّه استيقظ صباحاً ، فوجد أنَّ عمّه مات وخلّف له ثروةً كبيرةً ، فيصدق عليه أنَّه شرحنا له صدره ووضعنا
--> ( 1 ) مناقب آل أبي طالب 247 : 3 ، باب النكت واللطائف ، كشف الغمّة 537 : 3 ، الباب الخامس ، وبحار الأنوار 56 : 39 ، الباب 73 . ( 2 ) لم نعثر عليه بلفظه في المجامع الروائيّة ، وغيرها .